مقالات

الرحمة مفتاح الفاتحة

أيمن الشعبان

الفاتحةُ أعظمُ سورةٍ في كتابِ الله، وهي السورةُ التي أودع الله فيها خلاصةَ رسالتِه، وجمع بها مقاصدَ دينِه، فجاءت على غايةِ الإيجاز مع كمالِ البيان، فاستوعبت أصولَ العقيدة، وأسسَ العبادة، وقواعدَ الهداية، بألفاظٍ يسيرةٍ ومعانٍ غزيرة.

ولشدَّةِ ملازمتها للمسلم في كلِّ صلاةٍ، قد يألفها اللسانُ حتى يغيب عن القلب شيءٌ من تدبُّرها، فتُتلى آياتُها مرارًا، بينما تبقى أسرارُها، ودقائقُها، وكنوزُها الإيمانيَّةُ، ومقاصدُها العظيمةُ في حاجةٍ إلى استحضارٍ وتأمُّلٍ متجدِّد.

ومع أنَّ الفاتحة بُنِيَت على غايةِ الإيجاز، فقد تكرَّرت فيها صفةُ الرَّحمة؛ إيذانًا بعظيمِ شأنها، وتنبيهًا إلى مكانتِها، حتى غدا هذا التكرارُ من ألطف أسرار السورة، ومن أبرز مفاتيح فهم مقاصدها.

{الرَّحمنِ الرَّحيمِ}: اسمانِ مُشتَقّانِ من الرَّحمَة، يَدُلّانِ عَلى كَمالِ رحمَة ربّنا تَبارك وَتَعالى وَسَعَتِها الَّتي وَسِعَت كُلَّ شيءٍ وَعَمَّت كُلَّ حَيٍّ، فكانَ كلُّ ما نحنُ فيهِ مِن نِعمَةٍ أثرًا مِن آثارِ رحمَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، فَهُما يدلّانِ بذلكَ على الذَّاتِ، وعلى الصِّفة، وعلى الأثر، وكُلٌّ منهُما يدُلُّ على رحمَةٍ واسِعَةٍ كثيرَةٍ مستمِرَّةٍ عظيمَةٍ، قال تعالى: {فَإِن كَذَّبوكَ فَقُل رَبُّكُم ذو رَحمَةٍ واسِعَةٍ}.

من أسرار تكرار الرحمة في الفاتحة أنَّها أعظمُ ما يحتاج إليه العبد في سيره إلى الله؛ فاستفتح بها عمله في البسملة، ثم أثنى بها على ربه في قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ثم انطلق بعدها يسأله أعظم دعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، وكأنّ السورةَ تعلمُنا أن أبوابَ الهدايةِ لا تُفتح إلا بمفتاح الرحمة، وأنّ من عرف ربَّه بالرحمة، أقبل عليه بالرجاء، ثم وازنَ هذا الرجاء بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، ليظلّ قلبه سائرًا إلى الله بين الرجاء والخوف.

قال ابن القيم في كتابه “الفوائد”: وفائدةُ الجمعِ بين الصفتينِ “الرحمن” و”الرحيم” الإنباء عن رحمةٍ عاجلةٍ وآجلةٍ وخاصةٍ وعامة.

اعتنى العلماء ببيان الفروق الدقيقة بين الاسمين {الرحمن الرحيم}، ومن أبرزها:

الفرق الأول: من حيث الذات والفعل:

الرحمن: صفة ذات قائمة به سبحانه، فهو المتصف بالرحمة في نفسه أزلًا وأبدًا.

الرحيم: صفة فعل، تدل على تعلّق هذه الرحمة بالمرحوم ووصولها إليه.

فالأول وصفٌ لذاته جل وعلا، والثاني وصفٌ لأثر هذه الذات في خلقه.

الفرق الثاني: من حيث السعة والوصول:

الرحمن: ذو الرحمة الواسعة التي لا يحدّها حدّ.

الرحيم: ذو الرحمة الواصلة إلى من يشاء من عباده.

الفرق الثالث: عموم وخصوص من حيث اللفظ:

“الرحمن” اسمٌ خاصٌّ بالله تعالى، لا يجوز أن يتسمى به أحدٌ سواه، كاسمي “الله” و”الرزاق”؛ ولذا لما ادّعاه مسيلمةُ الكذاب لنفسه، فتسمى بـ”رحمن اليمامة”، كساه الله رداء الكذب وفضحه على ألسنة الخلق إلى يوم الدين.

أما “الرحيم” فاسمٌ عام، يجوز أن يوصف به غير الله، كالرؤوف والسميع والبصير، ومنه وصفُ النبي ﷺ بقوله تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

الفرق الرابع: عموم وخصوص من حيث المعنى:

الرحمن: رحمةٌ عامة تشمل جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، في الدنيا والآخرة.

الرحيم: رحمةٌ خاصة بالمؤمنين دون سواهم، في الدنيا والآخرة.

الفرق الخامس: من حيث البلاغة والترتيب:

“الرحمن” أبلغُ من “الرحيم”؛ ولهذا قُدِّم عليه في الذكر، فصيغة “فَعْلان” أدلُّ على الامتلاء والسعة من صيغة “فَعيل”، ولكونه أخصَّ من “الرحيم” كما تقدم.

إذا اقترن الاسمان، فُسِّر “الرحمن” بالوصف – أي الرحمة الذاتية القائمة به سبحانه – كقوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ}، وفُسِّر “الرحيم” بالفعل، أي الرحمة المتعلقة بالمرحوم، كقوله تعالى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ}.

أما إذا افترقا، فكلٌّ منهما يشمل الوصف والفعل معًا، باعتباره صفةً ذاتيةً وفعليةً لله تعالى، كقوله سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ}، وقوله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.

وهكذا تتجلى الرحمة مفتاحًا لأول سورة في كتاب الله؛ فما إن ينطق العبد بأولى آيات الفاتحة حتى يستقبله اسما الرحمن الرحيم، ليعلم أن ربّه رحيمٌ به قبل أن يكون شديد العقاب، وأن رحمته سبقت ذكر ملكه ليوم الدين. فتكرار هذه الصفة ليس تكرارًا لفظيًا خاليًا من المعنى، بل تثبيتٌ لهذه الحقيقة في قلب العبد وهو يناجي ربه: أن رحمته وسعت كل شيء، وأن باب الرجاء لا يُغلق في وجه سائل أو راجٍ.

فمن أدرك هذا السر، قرأ الفاتحة بقلبٍ حاضر، ولسانٍ ذاكر، ورجاءٍ لا ينقطع في رحمة أرحم الراحمين.

فسبحان من جعل أول ما يقرع أسماع عباده ذكرَ رحمته، سلوانًا للخائفين، وأُنسًا للمستوحشين، وبابًا للراجين لا يُردّ عنه طارق.

صحيفة الوطن البحرينية | العدد 7538 | الجمعة صفر 1448هـ 31 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى