مقالات

وإنك لعلى خلق عظيم

أيمن الشعبان

الحمد لله الذي أودع في سيرة نبيّه من الهداية ما تحيا به القلوب، ومن الرحمة ما تأنس به النفوس، ومن مكارم الأخلاق ما تسمو به الإنسانية، والصلاة والسلام على من جمع الله له كمال الخَلق والخُلُق، فكان أصدقَ الناس حديثًا، وأوفاهم عهدًا، وأرحمهم بالخلق، وأعظمهم تواضعًا، وأثبتهم عند الشدائد؛ نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرا.

وإذا كانت عظمة الرجال تقاس بما يحققونه من إنجازات، فإن عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاوزت ذلك كله؛ إذ اجتمع له من كمال الخُلُق ما جعله قدوةً في السراء والضراء، وفي القوة والرحمة، وفي البيت والمجتمع، ومع الموافق والمخالف.

يا خيرَ مَن وطِئَ الثرى، يا رحمةً * هَدَتِ القلوبَ، وأشرقتْ بضيائِها

فيكَ التواضعُ والوفاءُ ورحمةٌ * وسموتَ بالأخلاقِ في عليائِها

فلم تكن أخلاقه مواقف عابرة، ولا صفات تظهر في أوقات دون أخرى، بل كانت منهجًا ثابتًا يترجم حقيقة رسالته، حتى شهدت له بها حياته كلها، وشهد له ربه من فوق سبع سماوات: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم:4].

وقد تجلت هذه العظمة في حياته صلى الله عليه وسلم ترجمة عملية لرسالته، فكانت أخلاقه برهانًا حيًا على ما يدعو إليه، ومواقفه مدرسةً متكاملةً يتعلم الناس من خلالها كيف يتحول الإيمان إلى سلوك، والعبادة إلى خلق، والرحمة إلى عمل، والقوة إلى إنصاف؛ ليبقى هديه نموذجًا ربانيًا يسمو بالنفوس، ويهدي العقول، ويقيم الحياة على أسمى معاني الخير والفضيلة.

وإذا كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم قد كشفت عن عظمة شخصيته وكمال هديه، فإن الله سبحانه وتعالى قد خصه كذلك بمقامات عالية ومراتب سامية، فجمع له من أسباب الفضل والتكريم ما لم يجتمع لغيره؛ إذ اصطفاه واجتباه، واختاره وأحبه، وشرفه وأكرمه، ورفع قدره ومكانته، فهو الإمام الأعظم، والنبي المقدم، وخير البشر، وخليل الرحمن، والمصطفى العدنان.

ومن مظاهر هذا التكريم أن جعله الله رحمة للعالمين، فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]، ووصف رحمته ورأفته بأمته بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 128]، وقُرئت: {مِنْ أَنْفَسِكُمْ}، وهي قراءةٌ تزيد المعنى إشراقًا، لما فيها من الدلالة على نفاسة مكانته ورفعة قدره.

وتتجلى عناية الله بنبيه صلى الله عليه وسلم في تزكيته في جوانب حياته كلها، فلم يترك سبحانه جانبا من جوانب كماله إلا أثنى عليه فيه أو شهد له به، فزكّاه في عقله فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}[النجم: 2]، وفي بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}[النجم: 17]، وفي صدره فقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}[الشرح: 1]، وفي ذكره ومكانته فقال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}[الشرح: 4]، وفي طهره فقال: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}[الشرح: 2]، وفي صدقه فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}[النجم: 3]، وفي علمه فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}[النجم: 5]، وفي رحمته وحلمه فقال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 128]، ثم جمع له كمال الخلق كله في أعظم شهادة وأبلغ ثناء: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم: 4].

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا * وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي * وَأَنْ صَيَّرْتَ لِي أَحْمَدَ نَبِيًّا

وتتجلى هذه المعاني في صفحات سيرته الشريفة، حيث اجتمعت له خصائص ومناقب قل أن تجتمع في بشر؛ فكان النبي الرحيم، والقائد العادل، والمربي الحكيم، والعبد الخاشع، والإنسان القريب من الناس. ولم تكن مكانته الرفيعة حائلًا بينه وبين التواضع، ولا قوته وانتصاراته مانعًا من العفو، ولا ما لقيه من أذىً سببًا في مقابلة الإساءة بمثلها، بل كان في كل ذلك أسمى قدوة وأكمل نموذج.

في خُلْقِهِ اجتمعتْ معاني العُلا * فغدا الهدى من طيبِهِ يتعطَّرُ

رحمَ الضعيفَ، وعاشَ بينَ عبادِهِ * أبًا رؤوفًا، بالقلوبِ يُبَشِّرُ

ومن هنا فإن التأمل في شمائله وصفاته وأخلاقه ليس وقوفًا عند جمال السيرة أو إعجابًا بمكارمها فحسب، وإنما هو بحث عن طريق الاقتداء؛ لننتقل من معرفة أخلاقه صلى الله عليه وسلم إلى التخلق بها، ومن محبته في القلوب إلى آثار هذه المحبة في الأقوال والأفعال والمعاملات.

وإذا كانت هذه الصفات والشمائل تكشف لنا عظمة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فإن الغاية من معرفتها لا تقف عند الإعجاب بها أو الحديث عنها، وإنما تتجاوز ذلك إلى التأسي بصاحبها والاقتداء به في واقع الحياة. فقد جعل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم قدوةً للناس، وأصل ذلك قوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها (21/420): “هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه، عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين”، فهي دعوة إلى أن تتحول محبته في القلوب إلى اتباع في السلوك، وأن تتحول معرفة شمائله إلى ممارسة عملية في حياتنا؛ فنقتدي به في عبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، ورحمته، وحلمه، وعدله، وتواضعه، وفي تعامله مع أهله وأصحابه ومجتمعه.

وهنا تتضح حقيقة المحبة الصادقة؛ فليست المحبة كلمات تقال، ولا مشاعر تسكن القلب فحسب، وإنما أثر يظهر في السلوك، واتباع يصدق الدعوى، واقتداء يجعل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم منهجا للحياة. ومن هذا الباب تأتي الوقفة مع أبرز أخلاقه وشمائله، عند استحضار واستذكار مولده صلى الله عليه وسلم، لا لنزداد معرفةً به فحسب، بل لنسأل أنفسنا: كيف يمكن أن يكون هذا الخلق النبوي حاضرًا في حياتنا؟

إن أصدق المحبة أن تقتدي، وأجمل الوفاء أن تتبع، وأعظم الاحتفاء بسيرته أن تحمل شيئًا من أخلاقه إلى واقعك؛ فإذا صدقت في قولك، ورحمت في تعاملك، وعفوت عند قدرتك، وحلمت عند الغضب، وتواضعت مع الناس، وعدلت مع من تحب ومن لا تحب، فقد بدأت تترجم تلك المحبة إلى حياة.

فصلوات الله وسلامه على من زكّاه ربُّه، ورفع قدره، وأتمّ عليه نعمته، وجعله أسوةً حسنةً للعالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى