سوانح تدبريةسورة يوسف

|13| {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون}

أيمن الشعبان

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.

الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.

فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.

قال تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)}.

اسمح لنا نأخذه معنا غدًا يتمتع بالطعام ويمرح، وإنا له لحافظون من كل أذى يصيبه. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).

فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:

1- تَقْرِيرُ قَاعِدَةِ: “لَا حَذَرَ مَعَ القَدَرِ”، فَالعَجَبُ مِنْ قَبُولِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا أَظْهَرُوهُ لَهُ مِنْ حِفْظِ يُوسُفَ، وَقَدْ تَفَرَّسَ فِيهِمْ قَلْبُهُ فَقَالَ لِيُوسُفَ: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ القَضَاءُ عَمِيَتِ البَصِيرَةُ وَسُدَّتِ الحِيلُ.

2- إثباتُ أنَّ القَدَرَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، وأنَّ الإنسـانَ قَدْ يَحْتاطُ وَيُخَطِّطُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى.

3- {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا}، فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّسِيسَةِ يَتَحَيَّنُ أَقْرَبَ فُرْصَةٍ لِإِمْضَاءِ حِقْدِهِ وَتَنْفِيذِ مَكِيدَتِهِ!

4- إِنَّ اسْتِعْمَالَ المُؤَثِّرَاتِ النَّفْسِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ يُعَدُّ مِنْ أَدْقِّ حِيَلِ أَهْلِ المَكْرِ وَالكَيْدِ، إِذْ يُوهِمُونَ المَسْتَهْدَفَ الأَمَانَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يُفَاجِئُونَهُ عَلَى غِرَّةٍ فَيُنْفِذُونَ كَيْدَهُمْ فِيهِ.

5- {َأرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} فِيهَا جَوَازُ اللَّعِبِ المُبَاحِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُنْكِرْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ، فَيُنْدَبُ أَنْ يُجْعَلَ لِلأَبْنَاءِ نَصِيبٌ مِنَ اللَّعِبِ بِقَدْرِ مَا يُحْفَظُونَ بِهِ، فَلَا يُحَرَّمُ اللَّعِبُ إِطْلَاقًا وَلَا يُبَاحُ دُونَ ضَوَابِطَ، بَلِ الحَقُّ هُوَ الوَسَطِيَّةُ وَالاِعْتِدَالُ.

6- يَنْبَغِي لِلآبَاءِ وَالمُرَبِّينَ مُرَاعَاةُ حَاجَةِ الأَبْنَاءِ إِلَى أَوْقَاتِ اللَّعِبِ، وَتَوْفِيرُ بِيئَةٍ مُتَزِنَةٍ لِلْمَرَحِ المُبَاحِ.

7- الأُخُوَّةُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْفَظَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ قَالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْنَى “نَرْتَعْ” أَيْ نَتَحَارَسُ وَنَتَحَافَظُ، وَيَرْعَى بَعْضُنَا بَعْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَعَاكَ اللَّهُ؛ أَيْ حَفِظَكَ.

8- وُجُوبُ رِعَايَةِ الأَبِ لِأَبْنَائِهِ وَالعِنَايَةِ بِهِمْ، وَفِي لَفْظِ “أَرْسِلْهُ” دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُمْسِكُهُ وَيُصَاحِبُهُ دَائِمًا، وَيَحْرِصُ عَلَيْهِ وَيَعْتَنِي بِهِ.

9- الرَّتْعُ وَاللَّعِبُ مِمَّا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُ الصِّبْيَانِ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ الرَّاحَةَ بِالخُرُوجِ عَنِ المَأْلُوفِ وَالتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ.

10- تَقْدِيمُ اللَّعِبِ وَالِارْتِيَاحِ فِي الخِطَابِ يُظْهِرُ مُحَاوَلَةَ كَسْبِ العَاطِفَةِ قَبْلَ اتِّخَاذِ القَرَارِ.

11- الحِفْظُ يَقْتَضِي الرِّعَايَةَ وَالنُّصْحَ، فَمَنْ زَعَمَ حِفْظَ شَيْءٍ وَلَمْ يَرْعَهُ وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُ فَقَدْ ضَيَّعَهُ.

12- التَّوَازُنُ فِي التَّرْبِيَةِ بَيْنَ الحِفْظِ وَالرِّقَابَةِ، وَبَيْنَ إِعْطَاءِ مَسَاحَةٍ لِلطُّفُولَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.

13- الحَذَرُ مِنَ الثِّقَةِ المُطْلَقَةِ بِالوُعُودِ دُونَ اخْتِبَارِ القَرَائِنِ وَالنِّيَّاتِ؛ فَالتَّجَارِبُ تُعَلِّمُ أَنَّ الثِّقَةَ المُطْلَقَةَ دُونَ بَصِيرَةٍ قَدْ تَكُونُ مُكْلِفَةً.

14- لَيْسَتْ كُلُّ دَعْوَةٍ إِلَى الرَّاحَةِ وَالتَّرْفِيهِ بَرِيئَةً مِنَ المَقَاصِدِ الخَفِيَّةِ.

15- {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}، فَالأَبُ يَفْرَحُ وَيَرْتَاحُ لِكُلِّ مَا يَعُودُ عَلَى أَوْلَادِهِ بِالخَيْرِ وَالمَنْفَعَةِ فِي دِينِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ.

16- الرِّحْلَاتُ التَّرْفِيهِيَّةُ تُقَوِّي الشَّهِيَّةَ وَتُجَدِّدُ النَّشَاطَ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ فِي الرَّاحَةِ النَّفْسِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}.

17- {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}، حَتَّى أَبْنَاءَ الأَنْبِيَاءِ يُحِبُّونَ اللَّعِبَ، فَلَا تَقْتُلْ فَرْحَةَ طِفْلِكَ وَلَا تُنَغِّصْ عَلَيْهِ لَعِبَهُ وَرَاحَتَهُ.

18- الرِّيَاضَةُ البَدَنِيَّةُ مِنْ أَسْبَابِ صِحَّةِ الإِنْسَانِ وَقُوَّتِهِ، وَالمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ.

19- يَنْبَغِي أَلَّا يُتَحَوَّلَ اللَّعِبُ وَاللَّهْوُ إِلَى وَظِيفَةٍ دَائِمَةٍ، بَلْ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ أَحْيَانًا.

20- فِي تَقْدِيمِ الرَّتْعِ عَلَى اللَّعِبِ إِشَارَةٌ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الرِّيَاضَةِ بَعْدَ الأَكْلِ؛ إِذْ إِنَّ أَفْضَلَ أَوْقَاتِهَا يَكُونُ صَبَاحًا بَعْدَ تَنَاوُلِ لُقَيْمَاتٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ مَسَاءً بَعْدَ الغَدَاءِ بِفَتْرَةٍ، وَلِذَلِكَ جَرَى فِي كَلَامِ النَّاسِ: «تَعَشَّ وَتَمَشَّ وَلَوْ خُطْوَتَيْنِ».

21- إِمْكَانُ اسْتِغْلَالِ العَوَاطِفِ فِي التَّأْثِيرِ عَلَى القَرَارِ التَّرْبَوِيِّ، مِمَّا يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِنَ الِانْخِدَاعِ بِالمَظَاهِرِ.

22- {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أَظْهَرُوا حِرْصَهُمْ الزَّائِدَ عَلَى لَعِبِهِ وَمُتْعَتِهِ، وَتَظَاهَرُوا لِأَبِيهِم بِتَحْقِيقِ المَصْلَحَةِ القَوْلِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}، وَالمَصْلَحَةِ الفِعْلِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ خَلْفَ الاِعْتِنَاءِ المُفْرِطِ غَرَضٌ فَاسِدٌ وَمَقْصِدٌ خَفِيٌّ.

23- أَنَّ حُسْنَ القَوْلِ قَدْ يُخْفِي سُوءَ الفِعْلِ؛ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإِغْرَاءِ {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} وَالتَّطْمِينِ {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

24- إِذَا رَأَيْتَ مِنْ شَخْصٍ طِيبَةً مُفَاجِئَةً وَمُبَالَغَةً فِي التَّوَدُّدِ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ، فَلَا تَأْمَنْهُ دُونَ تَبَصُّرٍ وَحَذَرٍ.

25- تَأْكِيدُ المَقَالَةِ بِأَصْنَافِ التَّوْكِيدِ يُسْتَعْمَلُ لِرَفْعِ الإِيهَامِ وَإِزَالَةِ الشَّكِّ مِنْ نَفْسِ السَّامِعِ، وَتَقْوِيَةِ ثِقَتِهِ بِالكَلَامِ وَاطْمِئْنَانِهِ إِلَيْهِ.

26- الصِّدْقُ فِي المَسْؤُولِيَّةِ يَقْتَضِي اقْتِرَانَهُ بِالفِعْلِ لَا بِالقَوْلِ فَقَطْ.

27- أَهَمِّيَّةُ التَّحَقُّقِ مِنْ أَهْلِيَّةِ مَنْ يُعْطَى المَسْؤُولِيَّةَ، لَا مَجَرَّدَ حُسْنِ عَرْضِهِ أَوْ خِطَابِهِ.

28- يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَلَّا يَغْتَرَّ بِمَنْ يُظْهِرُ لَهُ النُّصْحَ مَعَ وُجُودِ الرِّيبَةِ فِي أَمْرِهِ؛ فَرُبَّمَا كَانَ خَلْفَ ذَلِكَ النُّصْحِ الظَّاهِرِ تَدْبِيرٌ لِمَا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ.

29- إِنَّ إِظْهَارَ المَصْلَحَةِ لِلْغَيْرِ مَعَ تَأْمِينِهِ وَتَطْمِينِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَشَدِّ الأَسَالِيبِ تَأْثِيرًا فِي حَمْلِهِ عَلَى التَّنَازُلِ عَنْ رَأْيِهِ.

30- إِدَارَةُ المَخَاطِرِ لَا تُلْغَى بِالتَّطْمِينَاتِ الكَلَامِيَّةِ.

31- {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الخُرُوجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَالبَرَارِي فِيهِ مُخَاطَرَةٌ يَجِبُ اتِّقَاؤُهَا.

32- قَالُوا: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فَضَيَّعُوهُ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فَحَفِظَهُ اللَّهُ، فَاسْتَحْفِظْ رَبَّكَ مَنْ تُحِبُّ.

33- تَعَلُّقُ الحِفْظِ الحَقِيقِيِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، لَا بِالأَسْبَابِ وَلَا بِالضَّمَانَاتِ البَشَرِيَّةِ.

34- {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فَكَمْ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ خَانَ الأَمَانَةَ، وَكَمْ مِمَّنْ تَعْتَقِدُ حِمَايَتَهُ وَأَسْنَدْتَ ظَهْرَكَ إِلَيْهِ فَكَانَتِ الطَّعْنَةُ وَالخِيَانَةُ!

35- خَطَرُ الِاغْتِرَارِ بِالأَمَانِ الكَاذِبِ؛ فَقَدْ قَالُوا: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وَلَمْ يَقَعْ مَا ضَمِنُوهُ.

36- {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، يَدُلُّ عَلَى أَلَّا يُغْتَرَّ بِكُلِّ مَنْ أَظْهَرَ الصَّلَاحَ إِذَا احْتَفَّتْ بِهِ القَرَائِنُ المُرِيبَةُ.

 

1 ذو الحجة 1447هـ

18/5/2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى