سوانح تدبريةسورة يوسف

|14| {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون}

أيمن الشعبان

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.

الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.

فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.

قال تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)}.

قال يعقوب لأبنائه: إني ليحزنني ذهابكم به؛ لأني لا أصبر على فراقه، وأخاف عليه من أن يأكله الذئب وأنتم لاهون عنه بالرتع واللعب. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).

فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:

1- الْحُزْنُ: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ مَحْبُوبٍ أَوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ ضِدُّ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ.

الْخَوْفُ: انْزِعَاجُ النَّفْسِ وَأَلَمُهَا تَوَقُّعًا لِمَكْرُوهٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

2- {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُزْنُ لِـمُطْلَقِ الْفِرَاقِ، أَوْ لِـكَوْنِ الذَّاهِبِينَ بِهِ حَسَدَةً، أَوْ لِـظَفَرِهِمْ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُ.

3- قَدْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ مَا يُبَشِّرُ بِالْخَيْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَدَاخَلُ قَلْبَهُ الْهُمُومُ، وَيَبْقَى بِحَاجَةٍ إِلَى مَا يُطَمْئِنُهُ وَيُسَكِّنُ قَلَقَهُ.

4- الذِّئْبُ مِنَ السِّبَاعِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَكْرِ وَالافْتِرَاسِ وَالنُّفُورِ، فَلَا يُنَاسِبُ جَعْلُهُ مَثَلًا فِي الشَّهَامَةِ وَالْمُرُوءَةِ؛ إِذْ ضَرَبَ الْعَرَبُ الْمَثَلَ بِالْأَسَدِ فِي الشَّجَاعَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَهَمِّيَّةُ مُنَاسَبَةِ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي.

5- {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}: يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ حُبِّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ، حَتَّى إِنَّ مُجَرَّدَ فِرَاقِهِ وَغِيَابِهِ يُؤْلِمُ قَلْبَهُ وَيُحْزِنُهُ.

6- جَوَازُ الْحُزْنِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ لَا إِثْمَ فِيهِ، مَا لَمْ يَصْحَبْهُ تَسَخُّطٌ أَوْ تَشَكٍّ أَوْ جَزَعٌ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ فِرَاقِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ: «وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ».

7- الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ مِنَ الْمَشَاعِرِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ أَمَامَ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ وَالْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ.

8- حُزْنُ أَحِبَّائِكَ لِمَا يَحْدُثُ لَكَ لَا يَعْنِي أَنَّ حَظَّكَ سَيِّئٌ؛ فَقَدْ يُدَبِّرُ اللَّهُ لَكَ وَلَهُمْ خَيْرًا لَا تَعْلَمُونَهُ.

9- يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ وَدَاعِيَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْزَنُ لِلْفِرَاقِ؛ فَأَعْبَاءُ الدَّعْوَةِ لَا تَمْنَعُ رِقَّةَ الْقَلْبِ وَصِدْقَ الْمَشَاعِرِ.

10- يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ، مَعَ بَيَانِ سَبَبِ اعْتِذَارِهِ.

11- بَيَانُ مَا يُخْشَى مِنْ عَوَاقِبَ يُنَبِّهُ الْمُؤْتَمَنَ إِلَى خُطُورَةِ الْأَمَانَةِ، وَيَزِيدُهُ حِرْصًا عَلَى حِفْظِهَا.

12- {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}: فِرَاقُ الْأَحِبَّةِ مِنْ أَشَدِّ مَا يُؤْلِمُ الْقُلُوبَ؛ فَإِنَّ سَعَادَةَ الْمُحِبِّ فِي قُرْبِ مَحْبُوبِهِ وَرُؤْيَتِهِ.

13- أَحْزَنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُفَارِقَهُ يُوسُفُ رِحْلَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ ابْتُلِيَ بِفِرَاقِهِ سِنِينَ طَوِيلَةً؛ فَتَأَمَّلْ بِشَرِيَّةَ الْأَنْبِيَاءِ وَرِقَّةَ مَشَاعِرِهِمْ، وَتَأَمَّلْ فِي الْمُقَابِلِ صَبْرَهُمْ وَثَبَاتَهُمْ عِنْدَ الْبَلَاءِ.

14- تَخَيَّرْ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَحْسَنَهَا، وَأَقْرَبَهَا إِلَى قَلْبِ سَامِعِكَ، وَتَجَنَّبْ مَا يَكْرَهُهُ، وَلَا تُصَرِّحْ بِسُوءِ ظَنِّكَ بِهِ؛ تَأَمَّلْ قَوْلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}، إِذْ عَبَّرَ بِلُطْفٍ دُونَ اتِّهَامٍ مُبَاشِرٍ.

15- يَنْبَغِي تَوْطِينُ الْقَلْبِ عَلَى فِرَاقِ الْأَحِبَّةِ؛ فَالْفِرَاقُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَيَاةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْمَوْتِ، أَمِ الِانْتِقَالِ، أَمِ التَّهْجِيرِ، أَمْ بِتَغَيُّرِ الْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ؛ فَلَا تَدُومُ صُحْبَةٌ وَلَا يَثْبُتُ حَالٌ.

16- لَا تُطِيلُوا الْغِيَابَ عَنْ وَالِدَيْكُمْ، وَلَا تَسْتَهِينُوا بِمَشَاعِرِهِمْ؛ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ تَحْزَنُ لِبُعْدِكُمْ، وَمَحَبَّتَهُمْ لَكُمْ تَجْعَلُهُمْ دَائِمِي الْقَلَقِ عَلَيْكُمْ.

17- لَا تُفْصِحْ عَنْ كُلِّ مَخَاوِفِكَ وَنِقَاطِ ضَعْفِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَقَدْ يَسْتَغِلُّهَا بَعْضُهُمْ لِلْإِضْرَارِ بِكَ. وَالشَّاهِدُ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلُ يَعْقُوبَ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}؛ إِذْ بَيَّنَ مَخَاوِفَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مَدْخَلًا لِإِخْوَتِهِ لِتَدْبِيرِ مَا أَرَادُوا.

18- شِدَّةُ التَّعَلُّقِ بِالشَّيْءِ تَجْعَلُكَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ مُجَرَّدَ فِرَاقِهِ يُحْزِنُكَ وَيَشُقُّ عَلَيْكَ.

19- لَا حَرَجَ فِي مُنَاقَشَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي مَطَالِبِهِمْ، وَعَدَمِ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا فَوْرًا دُونَ تَمْحِيصٍ وَتَفْكِيرٍ.

20- حِرْصُ الْإِنْسَانِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمُقَدَّرِ؛ فَقَدْ حَرَصَ يَعْقُوبُ عَلَى سَلَامَةِ يُوسُفَ، وَمَعَ ذَلِكَ وَقَعَ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ.

21- مِنْ تَمَامِ بِرِّ الْأَبْنَاءِ أَنْ يَتَجَنَّبُوا مَا يُحْزِنُ آبَاءَهُمْ؛ قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: “مِنْ شَأْنِ الِابْنِ الْبَارِّ أَنْ يَتَّقِيَ مَا يُحْزِنُ أَبَاهُ”، فَتَجَنُّبُ مَا يُؤْلِمُ الْوَالِدَيْنِ مِعْيَارٌ مِنْ مَعَايِيرِ الْبِرِّ، وَكُلَّمَا قَصَّرَ الْمَرْءُ فِي مُرَاعَاةِ مَشَاعِرِهِمَا نَقَصَ مِنْ بِرِّهِ بِهِمَا.

22- لَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْغَلَ مَسْؤُولِيَّاتُ الدَّعْوَةِ الدَّاعِيَ عَنْ أُسْرَتِهِ وَأَوْلَادِهِ؛ فَقَدْ كَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ عِظَمِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، حَرِيصًا عَلَى مُتَابَعَةِ أَبْنَائِهِ وَتَوْجِيهِهِمْ، فَكَثْرَةُ الْأَوْلَادِ لَا تُسْقِطُ مَسْؤُولِيَّةَ رِعَايَتِهِمْ.

23- مِنْ كَمَالِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَهْذِيبِ نُفُوسِهِمْ وَمُرَاعَاةِ حَاجَاتِهِمْ، فَقَدْ جَمَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ تَوْجِيهِ أَبْنَائِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِطَلَبِهِمْ فِي الذَّهَابِ بِيُوسُفَ مَعَهُمْ، مَعَ تَوْصِيَتِهِمْ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ.

24- لَا تُهْمِلْ خَوَاطِرَكَ وَمَشَاعِرَكَ الْأُولَى؛ فَقَدْ يَكُونُ فِيهَا تَنْبِيهٌ إِلَى أَمْرٍ يَسْتَحِقُّ الِانْتِبَاهَ، كَمَا فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}.

25- انْتَبِهْ لِأَلْفَاظِكَ، وَغَلِّبِ الْفَأْلَ الْحَسَنَ؛ فَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}، ثُمَّ طَالَ فِرَاقُ يُوسُفَ سِنِينَ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُ حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ؛ فَتَأَمَّلْ مَعْنَى الْمَثَلِ السَّائِرِ: “الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ”، دُونَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْكَلَامَ يُغَيِّرُ الْقَدَرَ.

26- مِنْ أَبْشَعِ صُوَرِ الظُّلْمِ وَالْخِسَّةِ وَانْعِدَامِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَنْ تَسْلُبَ إِنْسَانًا شَيْئًا تَعْلَمُ شِدَّةَ تَعَلُّقِهِ بِهِ وَعَظِيمَ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ.

27- مَنْ أَرَادَ أَلَّا يَكُونَ كِتَابًا مَفْتُوحًا لِلنَّاسِ، فَلْيَحْفَظْ خَاصَّةَ نَفْسِهِ، وَلَا يُظْهِرْ كُلَّ مَا يُحِبُّ وَمَا يَكْرَهُ.

28- يَنْبَغِي لِلْوَالِدِ أَنْ يُحَذِّرَ أَوْلَادَهُ مِمَّا قَدْ يُعَرِّضُهُمْ لِلضَّرَرِ فِي غِيَابِهِ عَنْهُمْ.

29- لَا تَمْنَحْ خَصْمَكَ حُجَّةً يَتَّخِذُهَا سِتَارًا لِبَاطِلِهِ؛ فَقَدْ يَسْتَغِلُّ أَهْلُ الْبَاطِلِ كَلِمَاتِ الْمُصْلِحِينَ وَتَوْجِيهَاتِهِمْ لِتَبْرِيرِ جَرَائِمِهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ}؛ فَاحْسِنْ تَقْدِيرَ كَلِمَاتِكَ، وَلَا تَكُنْ بِحُسْنِ نِيَّتِكَ عَوْنًا لِمَنْ يُرِيدُ الْإِضْرَارَ بِغَيْرِكَ.

30- كُنْ يَقِظًا؛ فَإِنَّ الْغَفْلَةَ تُضْعِفُكَ وَتَفْتَحُ لِلْعَدُوِّ بَابًا لِلْإِضْرَارِ بِكَ، وَقَدْ تَنْشَأُ مِنَ الِانْشِغَالِ بِاللَّذَّاتِ وَالْمَصَالِحِ، وَمِنْ أَخْطَرِ صُوَرِهَا الْغَفْلَةُ عَنِ اللَّهِ وَالِاسْتِرْسَالُ فِي الذُّنُوبِ.

31- لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ}، غَابَ عَنْهُ يُوسُفُ، وَلَمَّا قَالَ: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا}، رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنَاهُ؛ فَاسْتَوْدِعِ اللَّهَ مَنْ تُحِبُّ، وَأَحْسِنِ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ.

32- {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ}؛ ذِئَابُ الْبَشَرِ أَشَدُّ خَطَرًا وَقَسْوَةً مِنْ ذِئَابِ الْبَرِّ، فَخَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئَابِ، فَإِذَا بِالْخَطَرِ يَأْتِيهِ مِنْ إِخْوَتِهِ!

33- قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ وَالْحَذَرَ مِنَ الْمَخَاطِرِ لَا يُنَافِيَانِ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ؛ فَالْأَسْبَابُ وَالنَّتَائِجُ كُلُّهَا بِقَدَرِهِ.

34- مِنْ تَمَامِ مَسْؤُولِيَّةِ الْآبَاءِ مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ أَبْنَائِهِمْ بِحَسَبِ أَعْمَارِهِمْ؛ فَقَدْ بَيَّنَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبَبَ خَوْفِهِ عَلَى يُوسُفَ لِصِغَرِ سِنِّهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى الرِّعَايَةِ.

35- ثَلَاثُ مَرَّاتٍ وَحْدَهُنَّ وَرَدَتْ كَلِمَةُ “ذِئْبٍ” فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكُلُّهَا فِي سُورَةِ يُوسُفَ؛ كَأَنَّ الْقُرْآنَ يُقِيمُ تَقَابُلًا بَيْنَ يُوسُفَ الْغَزَالِ الْبَرِيءِ، وَالذِّئْبِ الَّذِي تَمَثَّلَ بِهِ إِخْوَتُهُ فِي غِيِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ.

36- يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} أَنَّ يُوسُفَ كَانَ صَغِيرَ السِّنِّ، وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ؛ فَالضَّعِيفُ أَكْثَرُ عُرْضَةً لِطَمَعِ الْمُعْتَدِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ وَالْجَزَعُ.

37- يَدُلُّ قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} عَلَى حُسْنِ خِطَابِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى أَلَّا يَتَّهِمَ أَبْنَاءَهُ صَرَاحَةً، فَالْتَمَسَ لَهُمْ عُذْرًا، مَعَ يَقِينِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكَيْدَ لِيُوسُفَ، وَتَرَكَ نَوَايَاهُمْ لِلَّهِ؛ وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ الْكِبَارِ فِي مُعَالَجَةِ الْمَوَاقِفِ الْحَسَّاسَةِ.

38- يَنْبَغِي لِلْمُرَبِّي أَلَّا يَقْطَعَ جِسْرَ الثِّقَةِ مَعَ مَنْ يُرَبِّيهِ، حَتَّى إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ سُوءٌ أَوْ مَكْرٌ؛ فَلَعَلَّ حُسْنَ الظَّنِّ وَإِبْقَاءَ بَابِ الْإِصْلَاحِ مَفْتُوحًا يَرُدَّانِهِ إِلَى الصَّوَابِ، أَمَّا التَّسَرُّعُ فِي قَطْعِ الثِّقَةِ فَقَدْ يَزِيدُهُ نُفُورًا وَانْحِرَافًا.

39- قَدْ يَضْطَرُّ الْمَرْءُ إِلَى اخْتِيَارِ أَهْوَنِ الشَّرَّيْنِ وَأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، فَلَا يُلَامُ إِذَا اجْتَهَدَ فِي اخْتِيَارِ الْأَنْسَبِ قَبْلَ ظُهُورِ النَّتَائِجِ؛ وَقَدِ اخْتَارَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِرْسَالَ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَخَفَّ ضَرَرًا مِنْ مَنْعِهِ.

40- {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}؛ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يَنْتَبِهُ لِحَاجَتِهِ أَوْ يَحْمِيهِ مِنَ الْخَطَرِ؛ فَالْعِبْرَةُ بِالْيَقَظَةِ وَحُسْنِ الرِّعَايَةِ، لَا بِكَثْرَةِ الْمُحِيطِينَ.

41- رَبَطَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ خَطَرِ الذِّئْبِ وَغَفْلَةِ أَبْنَائِهِ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْخَطَرَ لَا يَكْمُنُ فِي وُجُودِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْغَفْلَةِ عَنْهُ أَيْضًا.

42- لَا تَكْتَمِلُ الْمَسْؤُولِيَّةُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ وَحْدَهُا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى انْتِبَاهٍ وَمُتَابَعَةٍ تَضْمَنَانِ أَدَاءَ الْوَاجِبِ وَحُسْنَ الرِّعَايَةِ.

43- نَبَّهَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنَّ حُسْنَ الِاحْتِيَاطِ يَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةَ مَصْدَرِ الْخَطَرِ وَالظُّرُوفِ الَّتِي تُهَيِّئُ لَهُ.

44- يُبَيِّنُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أَنَّ تَوَلِّيَ الْمَسْؤُولِيَّةِ لَا يَكْفِي لِحُسْنِ أَدَائِهَا، بَلْ يَتَطَلَّبُ وَعْيًا مُسْتَمِرًّا بِمُقْتَضَيَاتِهَا وَتَفَاصِيلِهَا.

5 جمادى الآخرة 1448هـ

16/10/2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى