سوانح تدبريةسورة الحشر

|2| {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم}

أيمن الشعبان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.

قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)}.

عَظَّمَ الله ونزَّهَهُ عما لا يليق به كلُّ ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات، وهو العزيز الَّذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).

1- افْتَتَحَ اللهُ سُورَةَ الْحَشْرِ بِالتَّسْبِيحِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَتَذْكِيرًا بِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، قَبْلَ ذِكْرِ أَحْدَاثٍ تُظْهِرُ نَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَخِذْلَانَهُ لِلْكَافِرِينَ.

2- جَاءَ التَّسْبِيحُ لِيَغْرِسَ فِي النُّفُوسِ إِجْلَالَ اللهِ وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ، وَيُذَكِّرَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَاضِعٌ لِعَظَمَتِهِ، وَأَنَّ النَّصْرَ وَالْخِذْلَانَ بِيَدِهِ؛ فَيَقْوَى فِي الْقُلُوبِ الِانْتِمَاءُ الصَّادِقُ إِلَيْهِ.

3- يُمَهِّدُ افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِالتَّسْبِيحِ لِذِكْرِ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيُذَكِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نَصْرِهِ، وَمَا تَبِعَهُ مِنْ أَحْكَامِ تَوْزِيعِ الْأَمْوَالِ.

4- تَنَوُّعُ صِيَغِ التَّسْبِيحِ فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَمْرِ يُذَكِّرُ بِأَنَّ الْكَوْنَ مَمْلُوءٌ بِتَسْبِيحِ اللهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا تُسَبِّحُهُ، اخْتِيَارًا أَوِ اضْطِرَارًا.

5- افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ تَسْبِيحِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَذْكِيرٌ لِلَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ كَانَ نَتِيجَةَ تَكَبُّرِهِمْ عَنْ تَسْبِيحِ اللهِ، وَرَفْضِ تَصْدِيقِ رَسُولِهِ ﷺ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي دَلَائِلِ رِسَالَتِهِ.

6- التَّسْبِيحُ هُوَ تَنْزِيهُ اللهِ عَنِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ وَمُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَيَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ بِالِامْتِثَالِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ.

7- كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُسَبِّحُ اللهَ وَيُعَظِّمُهُ وَيُوَحِّدُهُ، وَيَنْقَادُ لِجَلَالِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ وَكَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.

8- التَّسْبِيحُ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ يَسِيرَةٌ لَا مَشَقَّةَ فِيهَا، عَظِيمَةُ الْأَجْرِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ يُجْزِلُ الْعَطَاءَ عَلَى الْعَمَلِ الْيَسِيرِ.

9- تَغْرِسُ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّفْسِ الْأَدَبَ مَعَ اللهِ؛ فَكَمَا أَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لَهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُو الْمُؤْمِنَ إِلَى تَطْهِيرِ نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَعْظِيمِ اللهِ قَوْلًا وَعَمَلًا.

10- تُرَبِّي الْآيَةُ الْقَلْبَ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْأَعْمَالِ بِتَمْجِيدِ اللهِ وَتَسْبِيحِهِ، فَبِذِكْرِهِ تَتَهَيَّأُ النُّفُوسُ لِلطَّاعَةِ، وَتَحُلُّ الْبَرَكَةُ فِي الْأَعْمَالِ، وَيَقْوَى الْإِيمَانُ.

11- التَّسْبِيحُ مِنْ أَكْمَلِ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ؛ لِمَا يَجْمَعُهُ مِنْ تَنْزِيهِ اللهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، وَفِي عَطْفِ التَّسْبِيحِ عَلَى الذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِهِ وَمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِهِ.

12- مِنْ فَوَائِدِ التَّسْبِيحِ أَنَّهُ يُفَرِّجُ ضِيقَ الصَّدْرِ وَيُخَفِّفُ الْهُمُومَ وَالْغُمُومَ؛ فَقَدْ وَجَّهَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِلَى التَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ وَالْعِبَادَةِ عِنْدَ ضِيقِ الصَّدْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}.

13- التَّسْبِيحُ عَمَلٌ عَقَدِيٌّ يُعْلِنُ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، وَيَنْفِي عَنِ اللهِ كُلَّ شَائِبَةِ شِرْكٍ أَوْ نَقْصٍ؛ فَهُوَ الْعَزِيزُ فِي مُلْكِهِ، الْحَكِيمُ فِي أَمْرِهِ وَحُكْمِهِ.

14- قُدِّمَ ذِكْرُ السَّمَاوَاتِ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ أَسْبَقُ وُجُودًا، وَأَدْوَمُ عِبَادَةً وَتَسْبِيحًا لِلَّهِ، فَهُمْ يُسَبِّحُونَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا دُونَ فُتُورٍ أَوْ مَلَلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}.

15- جَعَلَ اللهُ التَّسْبِيحَ سِمَةً لِلْكَوْنِ كُلِّهِ، فَجَدِيرٌ بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْضِمَامِ إِلَى هَذَا الرَّكْبِ الْمُبَارَكِ، فَلَا يَكُونَ أَقَلَّ شَأْنًا مِنَ الْجَمَادَاتِ وَالدَّوَابِّ فِي خُضُوعِهَا لِلَّهِ وَتَسْبِيحِهَا لَهُ.

16- تُرَبِّي هَذِهِ الْآيَةُ الْمُؤْمِنَ عَلَى مُلَازَمَةِ ذِكْرِ اللهِ وَتَسْبِيحِهِ، وَاتِّخَاذِهِ زَادًا لِلْقَلْبِ فِي كُلِّ حِينٍ، اقْتِدَاءً بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا تَفْتُرُ عَنْ تَسْبِيحِهِ.

 17- فَطَرَ اللهُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى التَّسْبِيحِ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ، فَهُوَ ذِكْرُ الْكَوْنِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}؛ فَلْنَجْعَلِ التَّسْبِيحَ زَادًا لَنَا فِي كُلِّ حِينٍ.

18- مَا أَعْظَمَ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فَالْكَوْنُ كُلُّهُ يُسَبِّحُهُ تَعْظِيمًا وَتَنْزِيهًا، فَهَنِيئًا لِمَنْ نَالَ شَرَفَ التَّسْبِيحِ وَمُوَاظَبَتِهِ.

19- يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبَهُ بِتَعْظِيمِ اللهِ فِي كُلِّ حَالٍ؛ وَجَاءَ افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِالتَّسْبِيحِ وَخِتَامُهَا بِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الْخُضُوعِ لِلَّهِ وَتَنْزِيهِهِ الدَّائِمِ.

20- خَتْمُ الْآيَةِ بِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ يُعَلِّمُ أَنَّ اللهَ غَالِبٌ لَا يُغْلَبُ، وَأَنَّ تَدْبِيرَهُ وَأَحْكَامَهُ قَائِمَةٌ عَلَى الْحِكْمَةِ، فَيَبْعَثُ ذَلِكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الْقُلُوبِ، وَيُعَزِّزُ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

21- تُرَسِّخُ الْآيَةُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِبَيَانِ تَفَرُّدِ اللهِ بِالْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا نَصْرَ وَلَا تَدْبِيرَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، تَمْهِيدًا لِمَا تَعْرِضُهُ السُّورَةُ مِنْ مَظَاهِرِ نَصْرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَخِذْلَانِهِ لِأَعْدَائِهِ.

22- تُؤَكِّدُ الْآيَةُ أَنَّ الْعِزَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ نَيْلَهَا يَكُونُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالِاعْتِصَامِ بِطَاعَتِهِ، لَا بِالِاتِّكَالِ عَلَى الْقُوَّةِ أَوِ التَّحَالُفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الزَّائِلَةِ.

23- تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ وَرَاءَهُ حِكْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ بَالِغَةٌ، فَلَا فِي أَقْدَارِ اللهِ فَوْضَى وَلَا فِي قَضَائِهِ عَبَثٌ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ وَتَقْدِيرٍ مُتْقَنٍ.

 

19 جمادى الأولى 1447هـ

10-11-2025م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى