سوانح تدبريةسورة يوسف

|15| {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون}

أيمن الشعبان

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.

الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.

فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.

قال تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)}.

قالوا لأبيهم: لئن أكل الذئب يوسف ونحن جماعة إنا في هذه الحال لا خير فينا، فنحن خاسرون إذ لم نمنعه من الذئب. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).

فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:

1- هَكَذَا قَالُوا: “أَكَلَهُ الذِّئْبُ”، وَلَمْ يَقُولُوا: اقْتَرَبَ مِنْهُ أَوْ جَرَحَهُ، بَلْ جَعَلُوا يُوسُفَ طَعَامًا لِلذِّئْبِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أَبِيهِ!

2- تَعَدَّدَتْ مُؤَكِّدَاتُهُمْ مِنْ لَامِ الْقَسَمِ، وَإِنَّ، وَاللَّامِ، وَإِذًا؛ لِيُطَمْئِنُوا أَبَاهُمْ وَيُؤَكِّدُوا أَنَّهُمْ لَنْ يُفَرِّطُوا فِي يُوسُفَ، فَإِنَّ ضَيَاعَهُ خُسْرَانٌ لَهُمْ.

3- قَدْ يَنْشَأُ الْإِنْسَانُ فِي بِيئَةٍ صَالِحَةٍ، ثُمَّ يَنْحَرِفُ؛ فَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ بِصَلَاحِ الْبِيئَةِ وَحْدَهُ، بَلْ بِبَذْلِ الْأَسْبَابِ، وَالْهِدَايَةُ مِنَ اللَّهِ.

4- تَكْشِفُ الْآيَةُ كَيْفَ يَجْمَعُ الْمُخَادِعُ بَيْنَ اسْتِبْعَادِ التُّهْمَةِ وَقَلْبِ الْمَوْقِفِ بِالْهُجُومِ عَلَى مَنْ يَشُكُّ فِيهِ، لِيَصْرِفَ الْأَنْظَارَ عَنْ حَقِيقَةِ مَوْقِفِهِ.

5- أَجَابُوا عَنْ خَوْفِ أَبِيهِمْ مِنَ الذِّئْبِ، وَتَجَاهَلُوا حُزْنَهُ عَلَى فِرَاقِ يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْهَمُوهُ أَنَّهُمْ سَيُعِيدُونَهُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، وَتَجَنَّبُوا مُوَاجَهَةَ السَّبَبِ الَّذِي كَانَ يُؤْلِمُهُمْ، وَهَذَا مِنْ أَسَالِيبِ التَّهَرُّبِ مِنَ الْجَوَابِ، الَّتِي تُشْبِهُ مَا يُعْرَفُ فِي الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ بِالْجَوَابِ الدِّبْلُومَاسِيِّ.

6- قَدْ يَكُونُ التَّشَاغُلُ وَالتَّجَاهُلُ مِنْ أَسَالِيبِ الِاحْتِيَالِ؛ كَمَا فَعَلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ حِينَ أَعْرَضُوا عَنْ سَبَبِ حُزْنِ أَبِيهِمْ، وَتَجَاهَلُوا مَا يَخْشَاهُ عَلَى يُوسُفَ.

7- اسْتَعْمَلُوا مُغَالَطَةً جَدَلِيَّةً فِي جَوَابِهِمْ؛ إِذْ جَعَلُوا كَثْرَةَ عَدَدِهِمْ ضَمَانًا لِحِمَايَةِ يُوسُفَ، مَعَ أَنَّ الْغَفْلَةَ قَدْ تُضَيِّعُهُ وَإِنْ كَثُرَ حَامُوهُ، وَالْيَقَظَةُ قَدْ تَحْمِيهِ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ.

8- يَكْشِفُ جَوَابُهُمْ لِأَبِيهِمْ عَنْ شِدَّةِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى تَنْفِيذِ مُخَطَّطِهِمْ، فَقَدْ حَاوَلُوا إِزَالَةَ كُلِّ مَخَاوِفِ أَبِيهِمْ عَلَى يُوسُفَ.

9- فِي قَوْلِهِمْ: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالتَّعَاوُنِ قُوَّةً، إِذَا أُحْسِنَ تَوْجِيهُهَا.

10- مَنْ تَخَلَّى عَنْ أَخِيهِ وَلَمْ يَحْفَظْ حَقَّهُ، كَانَ أَحْرَى أَنْ يُضَيِّعَ حُقُوقَ غَيْرِهِ، مِنَ الْأَهْلِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا.

11- قَدْ تَكُونُ الذِّئَابُ الْحَقِيقِيَّةُ أَرْحَمَ مِنْ بَعْضِ الْبَشَرِ؛ فَهِيَ تَفْتَرِسُ بِطَبْعِهَا، أَمَّا بَعْضُ الْبَشَرِ فَيَمْكُرُونَ وَيَكِيدُونَ وَيُخَطِّطُونَ لِلْأَذَى.

12- مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ يَسْتَعِيذَ الْعَبْدُ بِاللَّهِ مِنْ قَلْبٍ يَنْدَفِعُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّ عَلَيْهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِسُوئِهَا وَعَاقِبَتِهَا.

13- قَدْ يَسْتَعْرِضُ أَصْحَابُ الْمَكَائِدِ قُدْرَاتِهِمْ أَمَامَ الْآخَرِينَ؛ لِيُوهِمُوا بِقُوَّتِهِمْ وَيَبْلُغُوا مَآرِبَهُمُ السَّيِّئَةَ، كَمَا فَعَلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ حِينَ احْتَجُّوا بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}.

14- لَا تَكْفِي الْقُوَّةُ وَكَثْرَةُ الْعَدَدِ لِحِفْظِ مَنْ نَرْعَاهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْحُبِّ وَالْعَطْفِ وَالشَّفَقَةِ؛ فَهِيَ دَوَافِعُ أَسَاسِيَّةٌ لِلرِّعَايَةِ وَالْحِمَايَةِ.

15- يَسْتَعْمِلُ صَاحِبُ الْمَكِيدَةِ كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ أَسَالِيبَ وَوَسَائِلَ، وَيُحْسِنُ تَوْظِيفَهَا؛ لِيَبْلُغَ مُرَادَهُ.

16- إِذَا تَرَاكَمَ الرَّانُ عَلَى الْقَلْبِ، أَعْمَاهُ عَنِ الْحَقِّ وَأَصَمَّهُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، فَلَا يَعُودُ يَرَى الْحَقَّ وَلَا يَنْتَفِعُ بِالنُّصْحِ.

17- قَدْ يَنْخَدِعُ الْفَاضِلُ الْخَبِيرُ بِحِيَلِ أَهْلِ الْمَكْرِ وَالدَّهَاءِ، كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَبْنَائِهِ.

18- لَوْ عَلِمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ أَنَّ مَكْرَهُمْ بِهِ سَيَكُونُ سَبَبًا فِي رِفْعَةِ مَكَانَتِهِ، لَمَا مَكَرُوا بِهِ وَلَا دَبَّرُوا لَهُ السُّوءَ.

19- مَنْ مَكَّنَ لِعَدُوِّهِ، وَفَرَّطَ فِي أَسْبَابِ الْحِمَايَةِ مِنْهُ، عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ.

20- النُّبُوَّةُ وَالْعِلْمُ وَالتَّقْوَى لَا تُنَالُ بِالْوِرَاثَةِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ ابْنٍ لِنَبِيٍّ نَبِيًّا، وَلَا يَكْفِي شَرَفُ النَّسَبِ دُونَ صَلَاحِ الْعَمَلِ.

21- ثَارَتْ حَمِيَّتُهُمْ، وَاسْتَغْرَبُوا جَوَابَ أَبِيهِمْ، فَانْزَعَجُوا وَاسْتَنْكَرُوا وَتَذَمَّرُوا، وَاسْتَنْصَرُوا بِكَثْرَتِهِمْ؛ فَالْكَثْرَةُ مُؤَثِّرَةٌ، وَكَمَا قِيلَ: “ضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا”.

22- قَدْ يُرَادُ بِقَوْلِ الْحَقِّ الْبَاطِلُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الصَّلَاحَ صَادِقَ النِّيَّةِ، فَقَدْ يُخْفِي وَرَاءَ كَلَامِهِ الْحَسَنِ ضَرَرًا وَمَكْرًا.

23- حَسَمُوا الْأَمْرَ بِنَبْرَةٍ قَوِيَّةٍ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} إِخْفَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ إِظْهَارٌ وَبُرُوزٌ لِلنُّونِ، مِمَّا يُشْعِرُ بِقُوَّةِ النَّبْرَةِ.

24- مَنْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ، فَقَدْ يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنْهَا؛ فَإِخْوَةُ يُوسُفَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}، كَانُوا أَحَقَّ بِالْخُسْرَانِ حِينَ فَرَّطُوا فِي أَخِيهِمْ وَهُوَ ذُو قَدْرٍ عَظِيمٍ.

25- إِعْطَاءُ الضَّمَانَاتِ يُعَزِّزُ طُمَأْنِينَةَ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ إِذَا صَدَقَ الْمُؤْتَمَنُ؛ فَقَدْ قَدَّمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ عِدَّةَ ضَمَانَاتٍ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَابٍ وَاحِدٍ، وَذَكَرُوا الذِّئْبَ الَّذِي يَخْشَاهُ، وَاحْتَجُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وَأَكَّدُوا أَنَّ ضَيَاعَ يُوسُفَ سَيَكُونُ خُسْرَانًا لَهُمْ؛ لِيُطَمْئِنُوهُ إِلَى حِفْظِهِ.

26- إِذَا دَخَلَ الشَّكُّ إِلَى نَفْسِكَ، فَاحْذَرِ الِانْخِدَاعَ بِالْعِبَارَاتِ الْمُنَمَّقَةِ وَالشِّعَارَاتِ الْبَرَّاقَةِ، وَتَثَبَّتْ مِنْ صِدْقِهَا وَحَقِيقَتِهَا.

27- فِي قَوْلِهِمْ: {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}، حَكَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْخُسْرَانِ أَدَبِيًّا، وَلَمْ يَذْكُرُوا عُقُوبَةً تَتَرَتَّبُ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ، مِمَّا يُوحِي بِمَا يُضْمِرُونَهُ.

6 جمادى الآخرة 1448هـ

17/10/2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى